الغزالي
168
إحياء علوم الدين
كتاب آداب الكسب والمعاش ( وهو الكتاب الثالث من ربع العادات من كتاب احياء علوم الدين ) بسم الله الرّحمن الرّحيم نحمد الله حمد موحد انمحق في توحيده ما سوى الواحد الحق وتلاشي ، ونمجده تمجيد من يصرح بان كل شيء ما سوى الله باطل ولا يتحاشى ، وان كل من في السماوات والأرض لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له ولا فراشا ، ونشكره إذ رفع السماء لعباده سقفا مبنيا ومهد الأرض بساطا لهم وفراشا ، وكور الليل على النهار فجعل الليل لباسا وجعل النهار معاشا ، لينتشروا في ابتغاء فضله وينتعشوا به عن ضراعة الحاجات انتعاشا . ونصلي على رسوله الذي يصدر المؤمنون عن حوضه رواء بعد ورودهم عليه عطاشا ، وعلى آله وأصحابه الذين لم يدعوا في نصرة دينه تشمرا وانكماشا . وسلم تسليما كثيرا . أما بعد . فان رب الأرباب ومسبب الأسباب ، جعل الآخرة دار الثواب والعقاب ، والدنيا دار التمحل والاضطراب والتشمر والاكتساب . وليس التشمر في الدنيا مقصورا على المعاد دون المعاش ، بل المعاش ذريعة إلى المعاد ، ومعين عليه ، فالدنيا مزرعة الآخرة ، ومدرجة إليها والناس ثلاثة : رجل شغله معاشه عن معاده فهو من الهالكين ، ورجل شغله معاده عن معاشه فهو من الفائزين ، والأقرب إلى الاعتدال هو الثالث الذي شغله معاشه لمعاده فهو من المقتصدين . ولن ينال رتبة الاقتصاد من لم يلازم في طلب المعيشة منهج السداد ، ولن ينتهض من طلب الدنيا وسيلة إلى الآخرة وذريعة ما لم يتأدب في طلبها بآداب الشريعة . وها نحن نورد آداب التجارات والصناعات وضروب الاكتسابات وسننها ، ونشرحها في خمسة أبواب ( الباب الأول ) : في فضل الكسب والحث عليه ( الباب الثاني ) : في علم صحيح البيع والشراء والمعاملات ( الباب الثالث ) : في بيان العدل في المعاملة ( الباب الرابع ) : في بيان الإحسان فيها ( الباب الخامس ) : في شفقة التاجر على نفسه ودينه